قراءة في مدى التكامل والانسجام بين مكونات برنامج اللغة العربية المقرر لسنوات السلك الأول من التعليم الثانوي انطلاقا من مكونة التعبير

المفتش: أحمد ولد أبو بكر

يتكون برنامج اللغة العربية الذي جرت صياغته وتنقيحه فيما بين سنة 2016م و 2018م، والمقرر لسنوات السلك الأول من التعليم الثانوي من ثلاث مكونات هي: مكونة النصوص، ومكونة التعبير، ومكونة القواعد..

ومن بين أهداف تدريس النصوص اكتساب الطالب رصيدا معجميا يستطيع توظيفه متى شاء، أثناء تعبيره عن حاجاته ومواقفه المتسمة بنوع من التداخل أو التشابه مع مضامين تلك النصوص..، كما أن من أهم أهداف تدريس القواعد اكتساب الطالب القدرة على التعبير السليم من الأخطاء اللغوية نحوية كانت أو إملائية أو صرفية..

وعلى هذا الأساس تعد مكونة التعبير البعد الأهم ضمن هذا البرنامج الثلاثي الأبعاد، لأنها هي المظهر الأكثر قدرة على استجلاء مدى الاستيعاب والفهم لدى الطلاب لبقية المكونات..

هذا إذا كانت تلك المكونات الثلاث كلها متكاملة فيما بينها بحيث يخدم بعضها بعضا، وهنا يحق لنا التساؤل: ما مدى الانسجام والتكامل بين تلك المكونات في البرنامج المذكور آنفا؟

سنحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال قراءة سريعة تفترض أن القائمين على صياغة هذا البرنامج، قد وضعوا في الحسبان العلاقة التي ينبغي أن تكون وطيدة بين مختلف مكوناته ولنبدأ ببرنامج السنة الأولى الإعدادية:

برنامج السنة الأولى الإعدادية:

تضم مكونة النصوص في هذا البرنامج أربعة محاور هي: الأسرة، والمحيط المدرسي، والوطن والمواطنة، والطفل والأم، بمعدل ستة نصوص لكل محور وهو ما مجموعه أربعة وعشرون نصا جلها نصوص شعرية، وأغلب النصوص النثرية الباقية ذات صبغة تقريرية أو وصفية حسب ما يبدو من عناوينها..

ومن أبرز ما نلاحظه في هذه المكونة وجود نوع من التكرار أو التداخل يتمثل في عنواني “الأسرة” في المحور الأول و”الطفل والأم” في المحور الرابع..

وتضم مكونة التعبير – أيضا – أربعة محاور هي: التمرن على تقديم الأشخاص، والتمرن على تمثيل مواقف، والتمرن على إكمال حكاية، والتمرن على إنجاز تصميم لموضوع..

وإذا ما أردنا أن نقف على علاقة تكامل بين المكونتين من خلال المحاور المذكورة آنفا، سنلاحظ الانسجام شبه الكامل بين محاور المكونة الأولى وبين المحور الأول في المكونة الثانية، حيث ينطلق التعريف بالأشخاص أو إعداد بطاقات لهم في العادة من ذكر الأبوين وتاريخ الميلاد وموطنه ومراحل الدراسة، وهذا ما نلمسه جليا في نصوص تلك المكونة إذ لن يشكل الحقل المعجمي المناسب عائقا أمام الطالب.

وربما نجد نوعا من الارتباط بين النصوص التقريرية أو الوصفية في مكونة النصوص وبين المحور الرابع والأخير في مكونة التعبير، حيث تخضع تلك النصوص في العادة لمعايير تصميم الموضوع بما فيه من تمهيد وعرض وخاتمة.

أما المحوران المتوسطان ضمن مكونة التعبير فمن الصعب أن نعثر على نوع من العلاقة بينهما وبين مكونة النصوص، لأن تمثيل المواقف – وهو المحور الثاني في مكونة التعبير – يستوجب أن يكون للطلاب سابق اطلاع على نصوص حوارية..

كما أن إكمال حكاية ما – وهو المحور الثالث في المكونة نفسها – يستوجب اطلاعهم بالقدر نفسه على نصوص سردية، ومثل هذه النصوص غائب غيابا كاملا عن العناوين المدرجة في مكونة النصوص من برنامج السنة الأولى الإعدادية.

هذا عن مكونتي النصوص والتعبير أما عن مكونة القواعد بمحاورها الثلاثة: النحو والإملاء والصرف فعلاقتها بمحاور النصوص علاقة تلازمية، إذ لا يمكن لنص مهما كانت بساطته إلا أن يكون حقلا خصبا لتطبيق القواعد نحوية كانت أو غيرها، ولهذا السبب لن نطيل في نقاش العلاقة بين مكونتي النصوص والقواعد..

أما العلاقة بين مكونتي التعبير والقواعد فقد لاحظنا غيابها – على أهميتها – ضمن التوجيهات الموازية لمحاور مكونة التعبير، حيث لا ذكر فيها للتركيز على استخدام أدوات أو جمل أو تراكيب من نمط محدد..

وهكذا يمكن القول إن برنامج السنة الأولى الإعدادية من اللغة العربية تضمن الكثير من العناوين التي يمكن أن تفيد الطلاب، لكن محاور من مكونتي النصوص والتعبير في هذا البرنامج بحاجة إلى إعادة الصياغة ليكون التكامل بينها أقوى.

هذا فيما يتعلق ببرنامج السنة الأولى فماذا عن برنامج السنة الثانية؟

برنامج السنة الثانية الإعدادية:

تضم مكونة النصوص في برنامج السنة الثانية الإعدادية أربعة محاور هي: الوسط الحضري والوسط الريفي، والطبيعة، والعادات والتقاليد، والسياحة والترفيه، وكلها يحتوي ستة نصوص إلا المحور الثاني الذي لم يتجاوز خمسة نصوص، وتسعة من مجموع هذه النصوص نصوص شعرية والباقي نصوص وصفية أو تقريرية..

وتضم مكونة التعبير في برنامج هذه السنة أربعة محاور أيضا هي: وصف رحلة، إنتاج نص حكائي، التدرب على كتابة يوميات، وصف شخصية..، ومن بين التوجيهات الموازية لهذه المحاور: استعمال ضمير المتكلم، والإجابة عن أسئلة من قبيل: ماذا؟ ومن؟ ومتى؟ وأين؟ وكلها ذات بعد نحوي..

وإذا ما حاولنا أن نقف على نوع من التكامل بين هذه المكونة وسابقتها سنلاحظ قوة الصلة بين محوري “وصف رحلة ووصف شخصية” في مكونة التعبير، وبين كثير من النصوص المقررة في مكونة النصوص مثل نصي “الرعاة ووصف الرحيل”..

أما المحوران المتوسطان في مكونة التعبير وهما: “إنتاج نص حكائي والتدرب على كتابة يوميات”، فمن الصعب أن يجد الطالب في عناوين النصوص المذكورة سندا له على إنجاز تعبير شفوي أو كتابي من هذا القبيل، ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أعترف بأن أساس هذا القول هو مضمون بعض النصوص لا كلها.

أما التكامل بين مكونتي التعبير والقواعد فيكاد يكون معدوما لأن القضايا النحوية التي سلفت الإشارة إليها، وهي ضمير المتكلم وبعض أسماء الاستفهام ليست مدرجة إطلاقا ضمن العناوين المقررة في دروس القواعد، مع أن الحاجة إلى التعرف على معانيها وأساليب استخدامها وتداخل وظائفها قوية، فبعض هذه الأسماء يكون أحيانا اسما موصولا ويكون أحيانا أخرى اسم شرط، وأدوات الشرط الجازمة من بين الدروس المقررة في هذه المكونة من برنامج السنة الثانية، فلماذا لا يتوسع البرنامج أو يدقق العناوين من أجل توضيح الصورة أكثر أمام الأستاذ ثم الطالب؟

وهكذا نكون قد حاولنا التعرف على نقاط التلاقي بين مكونات برنامج السنة الثانية الإعدادية من مادة اللغة العربية، حيث بدا لنا التكامل بين بعض المحاور في مكونتي النصوص والتعبير جليا كما بدت لنا القطيعة بين بعضها الآخر أكثر وضوحا، شأنها كشأن القطيعة شبه الكاملة بين مكونتي التعبير والقواعد..

وإذا كان هذا هو شأن برنامج السنة الثانية الإعدادية من اللغة العربية فما شأن برنامج السنة الثالثة؟

برنامج السنة الثالثة الإعدادية:

تضم مكونة النصوص في برنامج السنة الثالثة الإعدادية أربعة محاور هي: المرافق العمومية والخدمات، المهن والحرف، المراسلات، الثقافة والتراث، وقد تضمن المحور الأول ستة عناوين والثاني خمسة والثالث ثمانية والرابع سبعة، وهو ما مجموعه ستة وعشرون نصا ليس بينها من النصوص الشعرية إلا ستة.

وتضم مكونة التعبير أيضا أربعة محاور هي: التمرن على كتابة الرسائل، التمرن على توسيع الفكرة، التمرن على تقنيات تلخيص نص، التمرن على تحويل غرض أو موضوع..

وإذا ما أردنا أن نقف على نمط العلاقة بين محاور هاتين المكونتين سنلاحظ قوة التكامل بينها، فالمحور الأول من مكونة التعبير وهو “التمرن على كتابة الرسائل” له سنده القوي في نصوص المحور الثالث من مكونة النصوص، وإن كان التدرج الملحق بالبرنامج يعرقل استفادة الطالب من نصوص ذلك المحور في التعبير.

أما بقية المحاور في مكونة التعبير فهي عبارة عن تقنيات للتعامل مع النصوص يمكن تطبيقها على كل نص، وهذا هو سر التكامل التام بينها وبين كل العناوين المقررة في مكونة النصوص.

وفي محاور مكونة القواعد من هذا البرنامج نلاحظ الكثير من إمكانات التكامل بينها وبين محاور مكونة التعبير، وهي إمكانات يبدو من التوجيهات الموازية أن مطالبة الأستاذ باستغلالها كانت في أدنى حدودها.

ولنكتف بمثالين أحدهما من محور النحو والآخر من محور البلاغة ففي محور النحو توجد العناوين التالية: الفاعل (مفردا وجملة) المفعول به (مفردا وجملة) والمبتدأ والخبر والنعت كلها كذلك، ومما لا شك فيه أن اطلاع الطلاب على وجود الفاعل أو المبتدأ أحيانا مفردا وأحيانا أخرى جملة، سيخلق في أذهانهم نوعا من الاعتقاد بأن دواعي الاختصار أو التطويل هي التي تحتم ذلك، وهذا هو لب أحد المحاور المقررة في مكونة التعبير فلماذا لا يستغل كل منهما في خدمة الآخر؟

ومن العناوين المقررة في محور البلاغة (علم المعاني): أضرب الخبر وأقسام الإنشاء، وكلاهما يمكن استغلاله في خدمة المحور المتعلق بالتمرن على كتابة رسالة من مكونة التعبير، إذ من السهل تنبيه الأساتذة إلى ضرورة توجيه الطلاب نحو تغليب الأساليب الإنشائية إذا كانت الرسالة تحوي طلبات أو أوامر، وتوجيههم نحو تغليب الأساليب الخبرية إذا كانت غاية الرسالة تقرير معلومات من نوع ما.

وإذا كان برنامج السنة الثالثة الإعدادية من اللغة العربية قد بلغ درجة عالية من التكامل بين مكوناته فهل برنامج السنة الرابعة كذلك؟

برنامج السنة الرابعة الإعدادية:

تضم مكونة النصوص في برنامج السنة الرابعة الإعدادية أربعة محاور هي: القيم الإسلامية، أعيان ومشاهير، مشكلات العصر، وسائل الاتصال..

وقد تضمن المحور الأول سبعة نصوص وتضمن الثاني ثمانية وتساوى الأخيران بمعدل ستة نصوص لكل منهما، وهو ما مجموعه سبعة وعشرون نصا ستة منها شعرية وأحد هذه الستة من شعر التفعيلة.

وتضم مكونة التعبير أربعة محاور – أيضا – هي: الدفاع عن رأي، التمرن على كتابة سيرة ذاتية، التمرن على كتابة تقرير، التمرن على الإنتاج الصحفي..

وعند إمعان النظر في محاور هاتين المكونتين سندرك قوة التكامل والانسجام بينها، إلى درجة تجعل كل محور من محاور المكونة الأولى يناسب نظيره في الترتيب ضمن المكونة الثانية، فالدفاع عن الرأي وهو المحور الأول من مكونة التعبير يجد سنده القوي في عدة  نصوص من المحور المتعلق بالقيم الإسلامية، مثل نصيحة الشيخ سيديا وحقوق الإنسان في الإسلام المكررة ضمن نصين مختلفين، ويمكن قول الشيء نفسه عن محور التمرن على كتابة السيرة الذاتية، وهو مقابل لمحور أعيان ومشاهير في مكونة النصوص.

وإذا ما انتقلنا إلى مكونة القواعد من أجل إدراك مدى التكامل بينها وبين مكونة التعبير سنلاحظ افتقار التوجيهات الموازية في محور البلاغة مثلا إلى التنبيه على أهمية التصوير البياني (التشبيه وغيره) في مجال الجدل والإقناع، حيث يمكن أن يكون حافزا للطلاب على إنشاء صور بيانية من خيالهم، بدلا من الاكتفاء بمجرد تمييزها إذا ما درسوا نصا أو تضمن الامتحان الفصلي أو النهائي سؤالا يتعلق بها.

وباكتمال الحديث عن برنامج السنة الرابعة يكتمل الحديث عن برنامج اللغة العربية المقرر لسنوات السلك الأول من التعليم الثانوي، وقد لاحظنا من خلال هذه القراءة السريعة أن التكامل بين مكونات برامجها قوي عموما، لكنه أكثر قوة في برنامجي السنتين الثالثة والرابعة لاسيما بين مكونتي النصوص والتعبير.

والله الموفق    

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top